عقدة الخطة الخمسية فى التخطيط الاستراتيجى- 2
كتبت فيالتخطيط | لا تعليقات »عودة إلى قصص عظماء التخطيط الاستراتيجى عبر التاريخ، الذين خططوا لحياتهم وبعد مماتهم، فكانت خططهم مناهج سارت عليها أمم ..
لنكمل معاً ..
***
حينما أوشكت دولة الإسلام فى الأندلس أن تسقط، فى ظل فساد واستهتار الحكام، كان هناك رجل بالمغرب العربى، عالم من علماء هذه الأمة الأفذاذ يدعى (عبد الله بن ياسين) ولاحظ تكرار دور العلماء وأهميته الاستراتيجية فى نهضة الأمم ..
درس العلم فى دولة الأندلس وهاله ما وصل إليه حال الحكام، وحتمية سقوط هذه الدولة فى سنوات قليلة، حتى تفتق ذهنه عن فكرة دعوية قائمة الجهاد والإصلاح .. فأسس دولة المرابطين ..
دولة المرابطين – لمن لا يعرف – هى السبب الأساسى والوحيد فى حد علمى الذى أخّرّ سقوط الأندلس فى يد أوروبا أكثر من 300 سنة ..
بحلم رجل واحد .. بتخطيط رجل واحد ..
رجل خطط خطة غطى بها أكثر من ثلاثمائة سنة يحفظ بها دولة الإسلام قائمة فى ربوع الأندلس، ونهضة دينية ودعوية فى المغرب العربى ..
***
وأخيراً وليس آخراً .. وهو مسك نبدأ به وبه نختم ..
خير الآنام .. محمد صلى الله عليه وسلم ..
معلم الناس التخطيط الاستراتيجى طويل المدى على مر العصور ..
وهاك أمثلة بسيطة – فقط لقلة الوقت – أسردها هاهنا ..
حينما استتب الأمر للنبى – صلى الله عليه وسلم – المدينة بعد الهجرة، لماذا لم يرسل فى طلب المهاجرين المقيمين فى الحبشة بالانضمام إلى إخوانهم فى المدينة؟ ولماذا أخر استقدامهم حتى صلح الحديبية؟
قمة العبقرية، والنظرة المستقبلة لما قد تصل إليه الأحداث .. لقد خشى الحبيب – صلى الله عليه وسلم – بعد هجرته مباشرة إلى المدينة كثرة المناوشات التى بينه وبين المشركين فى مكة أن تُباد دولة الإسلام فى إحدى هذه الغزوات والالتحامات، وخشى كذلك أن يقتحم المشركون المدينة فيبيدوا كل من فيها، ويقضوا على دولة الإسلام …
فأراد صلى الله عليه وسلم أن يجعل هناك خط دفاع ثان ينهض بدولة الإسلام فى الحبشة إذا سقطت فى المدينة .. لذلك لم يستقدم من كان فى الحبشة من المسلمين إلا بعد أن استقر الأمر عسكرياً بالهدنة التى أُبرمت فى صلح الحديبية ..
مع العلم أن المدة الزمنية بين هجرة النبى – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة واستقدام مهاجرى الحبشة كانت سبع سنوات …
وحينما جاءه الصحابى الجليل عمرو بن عبسة فى بداية الدعوة، مسلماً أعرب عن استعداده للبقاء معه، والدفاع عنه حتى الموت .. فرفض الحبيب – صلى الله عليه وسلم – وقال له: اذهب إلى قومك وادع فيهم، حتى إذا رأيتنى ظهرت على الناس (أى انتصرت ومكن الله لى فى الأرض) فأت إلىّ …
فانطلق الرجل وهو يستدير بين الفينة والفينة يملأ عينيه بوجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فهو لا يدرى إن كان سيراه مرة أخرى أم لا ..
وتمر الأيام والسنين وبعد أكثر من 15 سنة يأتى عمرو بن عبسة يوم الفتح الأكبر فى مكة، وما إن رآه الحبيب حتى هتف باسمه فرحاً وشوقاً واحتضنه ..
يقين فى النصر والنجاح لأكثر من 15 سنة، وحسن إدارة للرجال يفوق الوصف ..
لو بقينا هنا نتحدث عن الحبيب – صلى الله عليه وسلم – لن تكفينا دهور ودهور ..
***
عودة إلى الخطة الخمسية ..
من يخشى الفشل إذا خطط لمدة طويلة، حتماً هو آتيه الفشل ..
المخططون للفشل .. فشلوا فى التخطيط ..
الناس يصرون على زراعة ما تحصده أيديهم، ونسوا أنهم أكلوا ما زرع آبائهم … ونسوا أن هناك من الأشجار ما يأخذ السنوات الطوال .. فزرع الأجداد ليأكل الأبناء والأحفاد، لذلك لم ننس هؤلاء الأجداد أبداً ..
ولكننى أتساءل اليوم هل سيتذكرنا أحفادنا يوماً؟ وإذا تذكرونا فبم سيكون الذكر؟
الإجابة متروكة لك ..
***
إذا أثرت فيك هذه المقالة فابدأ الآن ..
انظر لحالك الآن .. ودونه فى ورقة أمامك ..
وانظر إلى نفسك بعد 5 عفواً 10 سنوات مثلاً ..
خطط وانظر لنفسك بعد 20 سنة ..
خطط وانظر لنفسك بعد 30 سنة .. (أطال الله عمرك فى الخير)
خطط لمجتمع وانظر له بعد 100 سنة .. (جعلها الله لك صدقة جارية)
خطط لأمتك وانظر لها بعد 200 سنة .. (واحجز مكاناً لك بين أولئك العظماء)
بعد أن تحدد هدفك فى المرحلة الأولى (بعد 10 سنوات) ارسم خطاً مستقيماً بين الاثنين، وقطع هذا الخط إلى نقاط صغيرة .. قسمه إلى سنوات ثم أشهر ثم أسابيع ثم أيام ..
وحينما تنظر فى الأيام انظر فى يومك الآن واسأل نفسك .. ما الذى ستفعله اليوم يقربك من هدفك؟
