حينما يتحدث الوقت
كتبت فيحينما يتحدث الوقت | التعليقات 4 »تم هذا اللقاء بناء على رغبة الوقت الملحة فى التعبير عن نفسه، حيث لاحظ مؤخراً أن هناك قطاع عريض من البشر يتجاهله، فأراد أن يعبر عن نفسه ويظهر مرة أخرى فى الصورة بشكل أوضح.
المذيع: أعزائى المستمعين والمشاهدين، حصرياً وعلى موقع النواوى فقط تم هذا اللقاء بيننا وبين الوقت. (يتوجه بالحديث إلى الوقت) سيدى نتشرف بالاسم؟
الوقت: فى الواقع أسمائى عدة، وكلها تشير إلى معان مختلفة، فمنهم من يقول الدهر، العمر، الوقت، الأيام، الساعات .. وغيرها الكثير وكلها تشير إلىّ أنا الوقت. وأنا أفضل اسم الوقت لأنه أشمل وأعم.
المذيع: لقاؤنا فى الأساس يركز على التعريف والتقديم، فهل لنا أن نستوضح كينونتك بشكل أوضح؟
قال الوقت فى حماس:
أنا كل شىء فى هذه الحياة ..
أنا الأنفاس تتنفسها الآن ..
أنا الأيام التى تمضى فى كل شىء ..
أنا من راقبنى ربح ومن سهى عنى خسر وندم ..
أنا من ستسألون عنه جميعكم يوم القيامة، كيف استغللتم هذه النعمة؟
أنا من سيندم عليه الناس كثيراً يوم القيامة ..
أنا من ….
يقاطعه المذيع بابتسامة دبلوماسية:-
- عفواً سيدى .. ولكن موضوع حلقتنا ليس عاطفياً فى المقام الأول، بل هو علمى بحت حتى يتسنى لمتابعينا معرفتك بصورة أوضح، وعفواً على المقاطعة ولكنه الحرص على …
توقف المذيع عن الحديث فجأة فى حرج، فنظر إليه الوقت شذراً وقال:-
- ها؟ أكمل .. لماذا توقفت؟ حرصاً على وقت البرنامج، أليس كذلك؟ أرأيت؟ حتى أنا من تحرص عليه وأنت تقاطعنى فى الحديث.
شعر المذيع بالحرج، وزاد من حرجه نظرة المخرج الغاضبة له، فحاول أن يلطف الجو فابتسم فى تهذيب قائلاً:-
- عفواً سيدى .. أكمل حديثك.
اعتدل الوقت فى جلسته وقال:-
- من الناحية العلمية، أنا العنصر الأساسى فى كل مناحى الحياة، وأنا القيمة المحددة التى لا تقبل الدفع إلا فى لحظة محددة، فلو أعطاك أحد الأغنياء كل صباح 1440 جنيه وأخبرك أنه يتوجب عليك أن تنفقهم فى نفس اليوم ولا تبقى منهم جنيهاً واحداً، فأنا ذاك.
أتكون فى اليوم من 1440 دقيقة لك مطلق الحرية فى استغلالها بالسلب أو الإيجاب، بالمنفعة أو الضرر، بالإضافة أو النقصان. وما ينقضى منى لا يعود أبداً، وأنا غير قابل للتخزين، وغير قابل للتداول النقدى أو الإعارة، فلا أُشترى بالمال، ولا يتم إعارتى من وإلى الغير.
وأعترض بشدة على لفظ (إدارة الوقت) فأنا غير قابل للإدارة، ولكن ما تديره أنت فعلياً هو نفسك من خلالى، فتستغل الدقائق التى أمنحها لك لتحولها أنت إلى قيمة ثمينة، أو تلقى بها فى مهب الريح.
سأل المذيع فى اهتمام: هل ترى أنك تحتل مكاناً بارزاً فى هذا العصر؟
رد الوقت بكل أسف: للأسف ضاعت قيمتى بين شباب هذا الجيل، والله إنى لأشكو إلى الله المعاملة المهينة التى ألقاها فى كل لحظة على يد الناس، وخاصة الشباب.
هناك من الشباب من لا يقدرونى حق قدرى، فأجدهم يبالغون فى النوم بينما أنا بينهم، ومنهم من يضيعنى فى مشاهدة التلفاز، سواء أكان فيلماً سطحياً أو برنامجاً تافهاً، أو مباراة حرق أعصاب (كرة قدم) أو جلوس على المقهى. إننى أُقتل كل يوم بيد لا تدرى بالنعمة التى وهبها الله لها، ووالله غداً سيندمون يوم لا ينفع الندم.
المذيع: ما هى نصائحك للشباب؟
الوقت: إن المرء على مر التاريخ لا يُعرف إلا بإسهاماته فى تاريخ البشرية، ولهذا يتذكر الناس ابن سينا، والفارابى، والجزرى، وإديسون .. وقبلهم وبعدهم جميعاً سيد البشرية محمد عليه الصلاة والسلام. ولم يكن أى من هؤلاء يتعامل مع الوقت كما يتعامل معه الشباب هذه الأيام.
أساس الاهتمام بالوقت يكمن فى تحديد الهدف، لا يحرص على الوقت إلا صاحب الهدف. هو شىء طبيعى للغاية أن يصبح الشاب على ما نام عليه، ويتحرك الهوينى بدون عجلة ولا لهفة، ويبحث عن مقهى يقتلنى عليه بكل برود .. كل هذا طبيعى إن لم يكن له هدف.
ولكن فلنعكس الآية ولننظر إلى شاب لديه هدف واضح محدد بزمن، ولنضع خط تحت كلمة محدد بزمن، يصارع الساعات والدقائق حتى يصل إلى ذلك اليوم الذى يرى فيه حلمه يتحقق أمام عينيه، يحترمنى فأحترمه، وأشعر فى تعامله معى بقيمتى وثراء نفسى.
نصيحتى للشباب واضحة الآن .. يجب على كل شاب وفتاة .. عفواً .. يجب على كل إنسان أن يكون له هدف فى الحياة، صغير كان أو كبير، شاب أو شيخ، رجل أو إمرأة، الأحلام لا تقف عند عمر محدد، ويوسف بن تاشفين بدأ جهاده بعد الستين، وعمرو بن العاص أسلم فى سن الثامنة والخمسين، وجميعنا يعلم ما بذل للإسلام، وجو جيرارد أعظم بائع فى العالم بدأ نشاطه البيعى بعد الخامسة والثلاثين .. الأمر ليس مرتبط بزمن .. ابدأ الآن واجعل النهاية نصب عينيك، فإن نجحت فقد جنيت ثمار جهدك، وإن جانبك التوفيق فلا تحزن على الجهد، فالأجر محفوظ عند الله .. والحمد لله أنه يحاسبنا على الجهد وليس على النتائج.
المذيع: كيف كان تعامل السابقين معك؟
الوقت فى حزن: يكفى أن أذكر لك مقولة الحسن البصرى (يا ابن آدم إنما أنت أيام معدودة، فإن ذهب يوم، ذهب بعضك، وأوشك الكل أن يلحق بالبعض). واستشف منها أنت قيمة الوقت فى حياة أولئك العظماء.
المذيع: فى نهاية هذا اللقاء، ماذا تحب أن تقول لمستمعيك ومشاهديك؟
الوقت: أقول لهم أمنية قالها إبراهيم ابن أدهم يوماً:
” يا ليت معى ملأ الأرض ذهباً لأشترى به وقتاً أنفقه فى طاعة الله”
فسألوه متعجبين: وممن تشتريه يا إمام؟
قال: ” من الفارغين”
المذيع: فى نهاية برنامجنا نتوجه بخالص الشكر إلى ضيفنا الكريم، على تلك الدقائق الثمينة التى منحنا إياها. ونتساءل هل سيسمح لنا بعقد لقاء آخر معه فى المستقبل؟
رد الوقت : بالتأكيد إذا تم تغييرك بمذيع آخر.
ابتلع المذيع الإهانة وسط ضحكات فريق التصوير المكتومة، وأردف بابتسامة دبلوماسية:-
أعزائى المشاهدين .. إلى اللقاء فى الحلقة القادمة مع ضيفنا العزيز الوقت.
(الصور من موقع sxc.hu بتصرف)


فكرة جديدة وجيدة
ألفاظك سلسلة و سهلة توحي بحكمة بالغة ,بالإضافة إلى الأسلوب الجديد للإقتراب و المبدع.
شكراً لك.
حقيقة تدوينة رائعة، شكرا على طرح هذا الموضوع الجد مهم
أجمل تدوينه قرأتها فى حياتى والله العظيم حقا و سأنشرها على الفيس بوك
جزاك الله كل خير حبيب قلبى اخى فى الله
النواوى
مصطفى حسن