الحلم من قلب المحنة
كتبت فيخواطر | التعليقات 10 »تحدثنا فى السابق عن المنح الربانية التى يعطيها الله لنا فى قلب المعاناة ليخفف عنها من آلامنا ويضع داخلنا اليقين فى أن الفرج آت لا محالة، وأنه ما من أحد يجدّ فى مسعاه، ويأخذ بكافة الأسباب إلا والله مجازيه بخير النتائج.
اليوم نتحدث عن أمر يحتاج من المرء طاقة عالية حتى يدركه ويستشعره، ففى تدوينتى السابقة كنت أحاول أن أخفف من هموم من يشعرون بالهم أو القلق من الحياة – ومن ضمنهم أنا فى الفترة الأخيرة – وأثبت لهم بالأدلة والقصص أن هذه الفترة سحابة مؤقتة لن تلبث أن تنقشع. أما اليوم فأتحدث عن أمر يحتاج من المرء مجاهدة عظمى ليستوعبه، فما بالك بتطبيقه فى الحياة العملية.
هل سمعت عن د.فيكتور فرانكل؟
بالطبع دارسى علم النفس عرفوه على الفور، فهو رائد المدرسة الثالثة فى علم النفس – مدرسة فيينا – بعد مدرستى فرويد وأدلر. ولكن ما يهمنا فى هذا الرجل الآن هو تاريخ معاناته وكيف كان يتعامل مع آلامه، بل كيف كان يحلم من قلب الآلام.
كان فيكتور معتقلاً فى أحد المعتقلات النازية، ويكفى ذكر كلمة نازية لتتخيل بعض مما لاقاه هذا الرجل .. ولكنه كان من داخل نفسه له رأى مختلف. فقد كان على قناعة تامة بأنه ما من أحد فى هذا الكون يستطيع أن يفرض عليه الشعور بإحساس معين، أو يقوده إلى مشاعر معينة، أو يثير داخله أى مشاعر سلبية تدمره معنوياً قبل أن يمس جسده العذاب.
كان فيكتور – فى قلب المعتقل – يحلم باليوم الذى سيخرج فيه ويشم نسائم الحرية .. يحلم باليوم الذى يعود فيه إلى طلبته فى الجامعة، ليدرس لهم نظرياته فى النفس البشرية .. ليحكى لهم عن معاناته ومقدار ما تعرض له فى المعتقل النازى، ليس هذا فحسب بل إنه بدأ فى إعداد المادة موضوع الدراسة، وبدأ يتخيل نفسه كيف سيقوم بعرضها عليهم، وما هى الدروس التى استفادها من تجربته/معاناته فى هذه المحنة.
لقد صنع فيكتور عالمه الداخلى الخاص الذى لا ينازعه فيه أحد، فلم يعد التعذيب ينل منه إلا بعض الرتوش الجسدية/ السطحية التى لا تؤثر فى العمق النفسى للرجل .. لم يعد يخشى قسوة الجلاد .. لم يفقد الأمل يوماً فى أنه سيغادر هذا الجحيم على الرغم من أنه – كما يروى هو – كان يدفن جثث القتلى من غرف الغاز، أو يحمل ما تبقى من رماد من احترقوا فى المحرقة.
ليس هذا فحسب، ولكنه أيضاً امتلك القدرة على الحلم بذلك اليوم الذى يحصل فيه على الدرجات العلمية والتقدير المعنوى .. حلم باليوم الذى يحصل فيه على النجاح .. وناله.
واليوم يعلم الجميع من هو فيكتور فرانكل … رائد مدرسة فيينا فى علم النفس.
هل أدركت مقصدى بالحلم من قلب المعاناة؟
الإمام ابن تيمية حينما يسحبونه على الأرض بمنتهى العنف ويلقونه فى زنزانة، ويغلق السجان بابه عليه، يسرع الإمام فيقول بكل يقين: “فضرب بينهم بسور له باب، باطنه فيه الرحمة، وظاهره من قبله العذاب“. يقول الإمام ابن تيمية مشفقاً على أعداءه:
” ماذا يفعل أعدائى بى؟؟ .. إن جنتى وبستانى فى قلبى .. أينما رحت فهما معى .. إن حبسى خلوة، ونفيى سياحة، وقتلى شهادة .. المأسور من أسره هواء .. والمحبوس من حبس قلبه عن ربه “.
من أى معدن قدّ هذا الرجل؟
ومن أى معدن قُدّ من هو مثله؟
الماس من أشد المعادن صلادة، ولا يتأثر بسهولة من كثرة الطرق عليه، لدرجة أنهم يستغلونه كقاطع للمعادة عسيرة التشكيل.
ولكن انظر إلى معلم البشرية .. كيف كان يحلم فى قلب المعاناة ويعلم أصحابه كيف يحلمون ..
لقد كان أيام الخندق أياماً عصيبة بكل ما تحويه الكلمة من معان ..
المدينة محاصرة من جميع الجهات، واجتمع الصحابة جميعهم للعمل على حفر خندق يحيط بالمدينة كلها إلا فى الجانب الخاص باليهود، فقد تعهدوا هم بحماية هذا الجزء.
وفى وسط هذه المحنة يتعرض الصحابة لاختبار صعب … صخرة عظيمة تصلح لمرور فرسان المشركين عليها بخيولهم .. صخرة تعترض طريق حفر الخندق. واشتد على الصحابة القلق والهم، وحاولوا بكل الطرق والإمكانيات المحدودة لديهم – المعاول – كسر الصخرة، ولكن بلا جدوى.
فما كان منهم إلا أن توجهوا إلى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – وعرضوا عليه الأمر، وكلهم هم وقلق. فما كان من رسول الله إلا أن توجه بكل هدوء واطمئنان إلى موضع الصخرة، وأمسك المعول بكل قوة، ورفعه فى الهواء، وسم الله ثم هوى به على الصخرة.
واسمع إلى رواية الصحابة عن تطاير الشرر من الصخرة من قوة ضربة النبى – صلى الله عليه وسلم – . ليس هذا فحسب ولكنه ما إن ضرب الضربة الأولى حتى هتف:-
” الله أكبر أعطيت مفاتيح الشام والله إني لأبصر قصورها الحمر من مكاني هذا “
وانكسرت من الضربة الأولى ثلث الصخرة، ثم رفعه ثانية وسم الله، ثم هوى به على الصخرة ليكسر الثلث الثانى وهتف:
” الله أكبر أعطيت مفاتيح فارس والله إني لأبصر المدائن وأبصر قصرها الأبيض من مكاني هذا “
ثم رفعه الثالثة وهوى بها على الصخرة حتى أتى عليها تماماً وهتف:
” الله أكبر أعطيت مفاتيح اليمن والله إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا ”
بالطبع هو رسول الله، وهو مؤيد بالوحى، ولكن انظر حولك إلى الصحابة وهم يستمعون إليه، ولسان حالهم يقول: ” يا رسول الله .. لا يأمن أحدنا على نفسه فى قضاء الحاجة، وأنت تبشرنا بملك الشرق والغرب!!”
ولكنه اليقين الذى يحركه، والذى يعلمه للصحابة … وهو هو نفسه اليقين الذى جعله يعد سراقة بن مالك يوم الهجرة بسوارىّ كسرى، ملك الفرس. ولكن أن تتخيل ملامح سراقة يومها.
إن الحلم من قلب معاناة المحنة يتطلب رجل .. رجلاً قوياً على يقين كامل بنصر الله، ويمتلك ثقة عالية جداً بنفسه وإمكانياته .. رجل يصنع عالم داخلى متكامل لا يتأثر بأى مؤثرات خارجية.
لا تجعل من نفسك مفعولاً يتأثر بما يدور حوله من الأحداث .. فإن صلحت سعد، وإن فسدت شقى.. لا تجعل لأحد ولا لشىء سلطان نفسى عليك ..
كن فاعلاً يؤثر فيمن حوله بالإيجاب ولا يتأثر إلى بكل ما هو إيجابى .. يصنع الأحداث، لا ذاك الذى تجرفه الأحداث ..
لن تنجح فى هذه الحياة يا صديقى إلى إذا تعاملت مع حلمك كما تتعامل مع ولدك ..
هل تظن يوماً أب يدع ولده؟ يهمل رعايته؟ ينساه؟ يقتله بيده؟ … لا أظن.
بل إننا نربى أبنائنا ونرعاهم فى طفولتهم طمعا منا – فى بعض الأحيان – أن يرعونا حينما نكبر ونشيخ وتضعف قوانا.
حلمك الذى سترعاه اليوم هو من سيرعاك غداً.





ما شاء الله عليك اخي ، مدونة هادفة ، لقد وجدت مدونتك عن طريق الصدفة ، والله مدونة تستحق المتابعة.
جزاك الله خيرا
اخي الكريم،
أنت تستخدم بعض الصور و فيها حقوق فكرية تابعة لشركة. لا أرى انه مهم استخدام الصورة عندما ينتهك حقوق النشر. لا اتصور انك ستكون مسرور لو استخدمت مقالتك هذه من دون اذنك.
جزاكم الله خيرا على النصيحة ..
سأتدارك هذا الأمر جيدا فى المرات القادمة
ولكن لو تلاحظ أننى أختار الصور التى يعرضها موقع الصور مجانا، أى ليس لها حقوق نشر، والصور التى لها حقوق نشر يظهر اسم الموقع واضحاً للغاية فى الصورة أو على الأقل فى ذيل الصورة
ولكن نصيحتك غالية سألتزم بالتنويه عن مصدر الصور فى كل مقالة من الآن فصاعد
جزاكم الله كل خير ومرحباً بك فى موقع النواوى
أتابع مدونتك الرائعة منذ فترة وأحييك على كل تلك التدوينات المحفزة الشاحذه للهمم.
بارك الله فيك أخي النواوي.
السلام عليكم
لدي فقط ملاحظة
اعلانات غوغل إلى اليسار في الأعلى تعرض مواقع تبشيرية أحيانا
يمكنك فلترة واختار نوعية الاعلانات التي لا تتعارض مع الخطوط الرئيسية لمدونتك أو موقعك
جزاكم الله خيراً
بالفعل هذا الموضوع يضايقنى كثيراً ولكنى للأسف لست خبيراً بأدسنس حتى يمكننى معالجة هذا الأمر
ولكن الموضوع يستحق .. سأستشير أحد الخبراء فى هذه الأمور وإن لزم الأمر حذف الإعلانات من المدونة تماماً
وإن كنت تستطيع المساعدة .. فجزاك الله خيراً
شكراً لك مرة أخرى
brilliant!
may Allah bless you
keep going:)
فعلاً نحن بحاجة للثقة واليقين بالله سبحانه وتعالى اولاً وقبل كل شي , ثم الثقة بأنفسنا بأننا قادرين على أن نصنع المستحيل .
المقالة رائعة جداً ومحفزة لأبعد حد.
وبصراحة اغلب المقالات التي قرأتها في المدونة رائعة وتستحق الإشادة, واقف لها ولك احتراماً وتقديراً فـ بارك الله فيك ونفع بك الإسلام والمسلمين,
واصل وستجني ثمار ماتزرع في يوم ما بإذن الله .
ولك مني صادق الدعوات, وشكراً لك .
مع التحية,,
فى بعض اللحظات من الزمن يضيق صدر المرء بطول الظلام ويتساءل المرء فى ضجر وهم
” متى نصر الله ”
وغالباً لا يأتى النصر مع هذا الضجر والضيق والهم، ولكن تأتى بعض اللمسات الرقيقة والمنح الربانية الحانية التى تهون عليك صعوبات الطريق
وهذا التعليق الصادق الصادر من القلب مباشرة .. وصل أيضاً إلى قلبى مباشرة
بارك الله فيك أخى .. لا تدرى كم أثرت فىّ كلماتك المحفزة الجميلة، وأعطتنى مسئولية أسأل الله أن أكون جديراً بحملها
ماشاء الله تبارك الله ..تدوينة رائعة..
ما أعظم الإسلام ..
وما أعظم شموله..
جميلٌ أن تؤيد فكرتك بمشاهد إسلامية..
جزاك الله خيرا